ابن الوزان الزياتي

396

وصف افريقيا

السكان فريقين ، فالذين يسكنون هذه التلال لهم بيوت مناسبة جدا مبنيّة بجدران ويزرعون الحقول والكروم ويهتمون بأشياء أخرى ضرورية لحاجات المعيشة . ويقيم الفريق الثاني ، وهو أكثر شرفا من أهل الفريق الأول ، في البادية تحت الخيام وينصرف لتربية الماشية . ولهؤلاء عدد كبير من الإبل والخيول وهم ميسورون جدا ، ولذلك يدفعون بعض الاتاوات لملك تلمسان . ولأهل التلال الكثير من القرى ، ولكن لقريتين منها أهمية أكبر من سائر القرى الأخرى . فالأولى تدعى قرية هوارة ، وتضم أربعين بيتا من الصناع والباعة . وقد بنيت على هيئة حصن على سفح جبل بين واديين . وتسمى الثانية المعسكر . وفيها يسكن وكيل الملك مع فرسانه . ويعقد سوق في هذه القرية كل يوم خميس وتباع فيه كميات من الماشية والحبوب والزبيب والعسل ، والكثير من الأقمشة البلدية وأشياء أخرى أقل قيمة كالحبال والسروج والأعنّة وأجهزة الخيل . وفي الفترة التي كنت فيها في هذه المنطقة ، حدث أن قصدت السوق لشراء بعض الحاجات الضرورية للرحلة التي كنت أقوم بها عندئذ للذهاب إلى تونس . ووصلت إلى السوق على ظهر الجواد واشتريت منه أولا حبال الخيام . وبعد أن فرغت من صفقتي وضعت الرجل اليسرى فوق عنق الحصان كي أستطيع تعداد نقودي فوق ركبتي . وتركت المقود وأدرت رأسي لدفع ثمن ما اشتريت . وبعد ان سدّدت ما استحق عليّ ادرت رأسي لنفس الجهة ووضعت رجلي في الركاب . ولكن عندما أردت استلام العنان لم أجده . ونظرت إلى هنا وهناك ثم ناديت الخادم كي يقود راحلتي إلى البيت . وبعد هنيهة وصل خادمان لوكيل الملك اللذين قالا لي : « سيدي ، لقد سرق عنان جوادك اثنان من البغالة التابعين للوكيل وكانا لا يعرفان أنك ضيفنا . وقد رأيناه واسترددناه بالقوة ، وانظر فيه إذا كانا قد سرق منك شيء آخر » . ثم اشتريت ما كنت لا أزال بحاجة إليه وعدت إلى البيت . وقد رويت هذه القصة لوكيل الملك في أثناء تناول الغداء فانفجر ضاحكا وقال لي : لا تندهش إذا ما قلت لك إننا نعاني الكثير من المصاعب كي نجد أناسا يرتضون مهنة بغّال ، وهي مهنة حقيرة وشاقة . ومن ناحية أخرى نحن ندفع لهم أجرا زهيدا لا يكفيهم أبدا . وهم لذلك يضطرون ، من أجل أن يربحوا شيئا ضئيلا إضافة لدخلهم ، سواء كانوا